الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
476
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
والتميز ، وثاقب الرأي والتدبير مع نزاهة النفس وجلالتها ، وشرفها وزهدها ، وفضلها وجودها وبذلها قالوا : كانت له سعادات فلكية ، وعطايا نجومية ، فأفاق بها على جميع البريّة . قيل لهم : فمن كان بهذا الوصف العظيم ، والمحلّ الجليل كيف يستجيز عاقل مخالفته أو يسوغ له مباينته ، وبمن يقتدى أفضل منه ، ومتى يكون مصيبا في الانصراف عنه ، بل كيف لا يرضى بعقل أعقل الناس ، ويأخذ العلم من أعلم الناس ، ويقتبس الحكمة من أحكم الناس وما الفرق بينكم في قولكم : إنّ هذه العطايا التي حصلت له إنّما كانت فلكية ونجومية وبيننا إذ قلنا : إلهية ربّانيتة وبعد فكيف يستجيز من يكون بهذا العقل الكامل ، والفضل الشامل ، والورع الظاهر ، والزهد البارع ، والشرف العريق ، واللسان الصدوق أن يكذب على خالق السماوات والأرضين ، فيقول للناس : أنا رسول ربّ العالمين ، ويدّعي هذا المقام الجليل ، ويكون الأمر بخلاف ما يقول وكيف تلائم صفاته التي سلّمتموها لهذه الحال التي ادّعيتموها فدعوا المناقضة والمكابرة ، واثبتوا على ما أقررتم به في المناظرة ، فكلامكم لازم لكم ، وقولكم حجّة عليكم ، قد أقررتم بالحقّ وأنتم راغمون والتجأتم إلى ما هربتم منه وأنتم صاغرون . واعلموا أنّ من باين المسعود كان منحوسا ، ومن خالف العاقل العالم كان جاهلا غبيا ، ومن كذّب الصادق كان هو في الحقيقة كاذبا ، والحمد للهّ مقيم الحجّة على من أنكرها ، وموضع الحقّ لمن آثرها ( 1 ) . « وهل يصدّقك في أمرك إلّا مثل هذا يعنوني » أي : يقصدونني ، استخفافا به عليه السّلام ، ونظيره : ما رواه الطبري عن ابن عبّاس ، عنه عليه السّلام قال : لمّا نزلت هذه
--> ( 1 ) كنز الفوائد للكراجكي : 88 - 91 والنقل بتصرف لفظي يسير .